انقطاع الغاز في المغرب 2026.. أزمة مفاجئة تدفع المملكة نحو الفحم
دخلت منظومة الطاقة في المغرب مرحلة حساسة خلال الأيام الأخيرة، بعدما تعرضت إمدادات الغاز في المغرب لاضطراب حاد وغير متوقع، أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول أمن الطاقة واعتماد المملكة على مسارات توريد محدودة. لم يكن التراجع مجرد خلل عابر، بل أزمة مركبة كشفت تداخل العوامل الجيوسياسية مع التحديات التقنية في سلاسل الإمداد.
توقف الإمدادات عبر إسبانيا.. بداية الأزمة
بدأت الأزمة مع توقف تدفقات الغاز الطبيعي إلى المغرب عبر إسبانيا لمدة 4 أيام متتالية، قبل أن تعود بشكل تدريجي، لكن بكميات أقل من المعتاد. هذا الانقطاع المفاجئ وضع السلطات أمام اختبار سريع لقدرتها على إدارة صدمة في قطاع حيوي يعتمد بشكل متزايد على الغاز.
البيانات التشغيلية أظهرت أن الإمدادات عادت في 25 مارس 2026، لكنها كانت أقل بنحو 20% من المستويات الطبيعية، قبل أن تتراجع في اليوم التالي إلى أقل من ربع الكميات المعتادة، ما يعكس استمرار الاضطرابات وعدم استقرار التدفقات.
ولم تستمر العودة طويلًا، إذ توقفت الإمدادات مرة أخرى يوم 27 مارس، قبل أن يُستأنف الضخ في اليوم التالي بمستويات محدودة، وهو ما أكد أن الأزمة لم تكن عابرة بل ممتدة.
ضغط متزايد على منظومة الكهرباء
تزامن تراجع إمدادات الغاز مع ارتفاع الطلب المحلي على الكهرباء، ما خلق حالة من الضغط المركب على منظومة الطاقة. هذا التوقيت الحرج دفع السلطات إلى البحث عن حلول سريعة لضمان استمرار تشغيل محطات الكهرباء دون انقطاع.
أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الفحم كخيار بديل، نظرًا لتوفره وانخفاض تكلفته مقارنة بالغاز المستورد عبر الأسواق الفورية. هذا التحول لم يكن خيارًا استراتيجيًا بقدر ما كان ضرورة تشغيلية لتفادي أزمة كهرباء محتملة.
كما كشفت المعطيات أن واردات الغاز عبر إسبانيا تراجعت خلال شهر مارس بنحو 20%، وهو ما يعكس استمرار الضغوط على سلاسل التوريد الإقليمية، ويؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد انقطاع مؤقت.
هشاشة الاعتماد على مسار واحد
تكشف هذه الأزمة بوضوح نقطة الضعف الرئيسية في منظومة الطاقة المغربية، وهي الاعتماد على مسار واحد للإمداد. فالمغرب يعتمد على إعادة تغويز الغاز المسال في إسبانيا قبل ضخه عبر أنبوب المغرب العربي الأوروبي.
هذا النموذج، رغم فعاليته في الظروف الطبيعية، أثبت محدوديته في مواجهة الأزمات، خاصة في ظل غياب قدرات تخزين كافية تمكّن من امتصاص الصدمات المفاجئة.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات شركة استشارات مخاطر شمال أفريقيا “ناركو” إلى أن استمرار هذا النمط من الاعتماد يعرض المملكة لمخاطر متكررة، خصوصًا في ظل التقلبات الجيوسياسية التي تؤثر على تدفقات الغاز عالميًا.
البحث عن بدائل عاجلة
مع تفاقم الأزمة، بدأت الجهات المعنية في المغرب التحرك لتأمين شحنات فورية من الغاز المسال، في محاولة لتعويض النقص وضمان استقرار الإمدادات خلال فترات الذروة.
غير أن هذه الحلول تواجه تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار في السوق الفورية، إضافة إلى المنافسة العالمية على الشحنات، ما يجعل تأمين الإمدادات عملية معقدة ومكلفة.
أي تأخير في الحصول على هذه الشحنات البديلة قد ينعكس مباشرة على كفاءة تشغيل محطات الكهرباء، ويزيد من الاعتماد على مصادر طاقة أكثر تكلفة أو أعلى من حيث الانبعاثات.
الفحم يعود إلى الواجهة
في ظل هذه الظروف، عاد الفحم ليحتل موقعًا متقدمًا في مزيج الطاقة المغربي، رغم التوجهات السابقة نحو تقليل الاعتماد عليه.
البيانات تشير إلى أن توليد الكهرباء باستخدام الفحم ارتفع بنسبة 5% خلال 2025، مقابل 2% فقط للنفط، في حين بلغت مساهمة الطاقة المتجددة نحو 6.5%.
هذا التحول يعكس مفارقة واضحة، إذ تدفع أزمة الغاز المغرب إلى الاعتماد على مصدر طاقة أقل نظافة، ما قد يؤثر على أهدافه البيئية طويلة المدى.
واردات الغاز.. نمو قبل الأزمة
المفارقة أن هذه الأزمة جاءت في وقت كانت فيه واردات المغرب من الغاز تشهد نموًا ملحوظًا. فقد ارتفعت خلال يناير 2026 بنسبة 22.3% على أساس سنوي، لتصل إلى نحو 822 غيغاواط/ساعة.
كما يمثل المغرب نحو 21.7% من إجمالي صادرات الغاز الإسبانية، ما يجعله ثالث أكبر مستورد بعد البرتغال وتركيا، وهو ما يبرز حجم الاعتماد المتبادل بين البلدين.
لكن هذا النمو لم يكن كافيًا لحماية السوق من الصدمات، خاصة في ظل غياب تنويع حقيقي في مصادر الإمداد.
تأثيرات إقليمية وضغوط على إسبانيا
تأتي الأزمة أيضًا في سياق ضغوط تواجهها إسبانيا نفسها، نتيجة تراجع واردات الغاز المسال من دول الخليج بعد اضطرابات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز بسبب حرب إيران.
هذا الوضع دفع مدريد إلى البحث عن بدائل، بما في ذلك التفاوض مع الجزائر لزيادة الإمدادات، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد على وضع المغرب الذي يعتمد على البنية التحتية الإسبانية.
تنويع المصادر.. ضرورة لا خيار
تشير المعطيات إلى أن المغرب يستورد الغاز من عدة مصادر، تشمل الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب اتفاقية طويلة الأجل مع شركة شل لتوريد نصف مليار متر مكعب سنويًا من الغاز المسال.
لكن رغم هذا التنوع النظري، فإن البنية التحتية الحالية تجعل جزءًا كبيرًا من هذه الإمدادات يمر عبر إسبانيا، ما يعيد طرح مسألة الاعتماد الهيكلي على مسار واحد.
وترى شركة “ناركو” أن تعزيز مرونة منظومة الطاقة في المغرب يتطلب استثمارات في البنية التحتية المحلية، بما يشمل مرافق التخزين ومحطات إعادة التغويز، إلى جانب تنويع الموردين بشكل فعلي.
أزمة تكشف مستقبل الطاقة في المغرب
لا تبدو أزمة انقطاع الغاز مجرد حادث عابر، بل مؤشر على تحديات أعمق تواجه سياسة الطاقة في المغرب. فبين الحاجة إلى تأمين الإمدادات على المدى القصير، والالتزام بالتحول نحو مصادر نظيفة على المدى الطويل، تجد المملكة نفسها أمام معادلة معقدة.
ومع استمرار التقلبات في أسواق الطاقة العالمية، قد تتحول هذه الأزمة إلى نقطة تحول تدفع المغرب لإعادة صياغة استراتيجيته الطاقية بشكل أكثر مرونة واستقلالية.
اقرأ أيضًا: ضربات غير مسبوقة.. ماذا تبقى من برنامج إيران الصاروخي بعد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية؟

تعليقات