اقتصاد المغرب تحت ضغط الطاقة العالمية.. كيف تواجه المملكة التضخم وصدمة أسعار النفط؟

اقتصاد المغرب تحت ضغط الطاقة العالمية.. كيف تواجه المملكة التضخم وصدمة أسعار النفط؟
علم المغرب - متداولة


يشهد اقتصاد المغرب مرحلة دقيقة من التوازن بين متغيرات داخلية داعمة ونطاق خارجي مضطرب، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ما انعكس مباشرة على كلفة المعيشة وأداء القطاعات الحيوية.

وبينما تؤكد المؤسسات الدولية صلابة الأسس الاقتصادية للمملكة، تتزايد التساؤلات حول قدرة الرباط على امتصاص صدمات النفط والحفاظ على وتيرة النمو.

في هذا السياق، حافظت وكالة ستاندرد آند بورز على التصنيف الائتماني السيادي للمغرب عند BBB- / A-3 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو ما يعكس ثقة نسبية في قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة التحديات.

غير أن هذا التقييم يأتي مصحوباً بتحذيرات واضحة تتعلق بمدى تعرض البلاد لتقلبات أسعار الطاقة، خاصة وأنها تعتمد على الاستيراد لتلبية أكثر من 90 بالمئة من احتياجاتها الطاقية.

هذا الاعتماد الكبير على الخارج جعل المغرب من أكثر الاقتصادات تأثراً بارتفاع أسعار النفط، التي تجاوزت مستوى 100 دولار للبرميل في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية.

وقد انعكس ذلك سريعاً على السوق المحلية، حيث قفزت أسعار المحروقات بشكل ملحوظ، إذ ارتفع سعر الديزل من نحو 11 درهماً إلى قرابة 13 درهماً للتر، فيما اقترب البنزين من 14 درهماً، ما أدى إلى موجة من الضغوط التضخمية وتراجع القدرة الشرائية.

نمو اقتصادي مستقر.. لكن تحت الضغط

رغم هذه التحديات، لا يزال الاقتصاد المغربي يُظهر قدراً من المرونة، مدعوماً بعوامل داخلية قوية، أبرزها استمرار الاستثمار في مشاريع البنية التحتية وتعافي القطاع الزراعي.

ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً بنحو 4.4 بالمئة خلال عام 2026، مقارنة بـ4.9 بالمئة في العام السابق.

هذا التباطؤ النسبي يعكس تأثير البيئة الدولية غير المستقرة، حيث تؤدي تقلبات أسعار الطاقة وتراجع الطلب العالمي إلى تقليص زخم التوسع الاقتصادي.

كما أن اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الواردات تضغط على الميزان التجاري، خاصة في ظل ارتفاع فاتورة الطاقة التي تجاوزت 10 مليارات دولار سنوياً.

التضخم والوقود.. معادلة حساسة

الضغوط التضخمية تُعد من أبرز التحديات الراهنة، إذ يُتوقع أن يشهد التضخم ارتفاعاً مؤقتاً خلال العام الجاري نتيجة صعود أسعار الطاقة، قبل أن يعود إلى مستويات مستقرة قرب 2 بالمئة على المدى المتوسط.

وتأتي هذه التطورات بعد فترة من التراجع النسبي في التضخم، مدفوعة بانخفاض أسعار المواد الغذائية.

لكن مع عودة أسعار الوقود للارتفاع، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة بين تحرير السوق وضبط الأسعار.

فبعد التخلي عن نظام دعم المحروقات في 2015، اتجهت الدولة إلى تقديم دعم مباشر للفئات الأكثر هشاشة، إلا أن هذا التحول أثار جدلاً واسعاً حول هوامش أرباح شركات التوزيع، وسط مطالبات بتدخل حكومي أكبر لتنظيم السوق.

السياسات النقدية.. الحذر سيد الموقف

في مواجهة هذه التحديات، اختار بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة عند 2.25 بالمئة للمرة الرابعة على التوالي، في خطوة تعكس نهجاً حذراً يوازن بين دعم النمو واحتواء التضخم.

ويُدرك صناع القرار أن أي تشديد نقدي قد يُبطئ الاقتصاد، في حين أن التراخي قد يزيد من الضغوط السعرية.

ويؤكد البنك المركزي أن تأثير التوترات الجيوسياسية لن يكون محدوداً، خاصة عبر قنوات الحسابات الخارجية وأسعار الطاقة، ما يستدعي مراقبة دقيقة للتطورات العالمية.

خط ائتماني مرن.. شبكة أمان استراتيجية

ضمن أدوات التحوط، يحتفظ المغرب بإمكانية اللجوء إلى خط ائتماني مرن بقيمة 4.5 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، تم توقيعه كإجراء احترازي لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.

ورغم عدم استخدام هذا الخط حتى الآن، إلا أنه يمثل صمام أمان في حال تفاقمت الأزمة، خاصة إذا تجاوزت أسعار النفط مستويات حرجة.

ويؤكد المسؤولون أن احتياطيات النقد الأجنبي تغطي نحو ستة أشهر من الواردات، وهو مستوى مريح نسبياً يتيح هامشاً للمناورة دون الحاجة إلى تمويل طارئ.

الدعم الحكومي.. حماية السوق والمستهلك

في ظل ارتفاع أسعار الوقود، أعادت الحكومة تفعيل برامج الدعم الاستثنائي لقطاع النقل، بهدف الحد من تأثير زيادة التكاليف على أسعار السلع والخدمات.

وتشمل هذه الإجراءات دعم نقل البضائع والركاب وسيارات الأجرة والنقل السياحي، بقيم تتراوح بين 1500 و6000 درهم حسب النشاط.

وتهدف هذه السياسة إلى الحفاظ على استقرار السوق الداخلي وضمان استمرار سلاسل الإمداد، خاصة في ظل مخاوف من انتقال تأثيرات ارتفاع الوقود إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.

وبحسب وكالة “بلومبيرج”، يعكس المشهد العام في المغرب اقتصاداً يمتلك مقومات الصمود، لكنه يواجه اختباراً حقيقياً في ظل بيئة دولية معقدة.

فبينما توفر الاستثمارات والبنية التحتية والزراعة دعماً داخلياً، تبقى أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد المسار الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: الجزائر تعيد تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا.. سباق أوروبي على الغاز في ظل أزمة مضيق هرمز يغيّر موازين الطاقة





الزهراء