أزمة مضيق هرمز.. نفوذ إيراني غير مسبوق يهز الاقتصاد العالمي

أزمة مضيق هرمز.. نفوذ إيراني غير مسبوق يهز الاقتصاد العالمي
سفن في مضيق هرمز في فبراير. المصور: جوزيبي كاكاس/وكالة فرانس برس


بدو أن إيران بعد شهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة، قد حققت ميزة استراتيجية حاسمة؛ وهي السيطرة المُحكمة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم.

على الرغم من الخسائر الفادحة، التي طالت شخصيات قيادية بارزة وبنية تحتية رئيسية، استغلت طهران الصراع لترسيخ سيطرتها على حركة الملاحة البحرية عبر هذا الممر الضيق الذي يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية.

انخفاض حركة الشحن إلى مستويات تاريخية

تُظهر بيانات بلومبيرج انخفاضًا حادًا في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز. ففي مارس، أول شهر كامل من الحرب، عبر المضيق ما يقل عن ست سفن يوميًا في المتوسط، مقارنةً بحوالي 135 سفينة يوميًا في الظروف العادية.

من بين العدد المحدود من ناقلات النفط التي غادرت الممر المائي، كانت حوالي 80% منها إما إيرانية أو تابعة لدول تربطها علاقات ودية مع طهران. يُبرز هذا التحوّل مدى سيطرة إيران الفعلية على الوصول إلى الممر المائي.

زاد التشويش الإلكتروني والتعطيل المتعمد لأجهزة الإرسال والاستقبال في السفن من تعقيد عملية التتبع، إلا أن البيانات المتاحة تشير إلى أن معظم السفن لا تمر إلا بعد الحصول على موافقة إيرانية والالتزام بمسارات قريبة من سواحلها.

من تعطيل إلى سيطرة فعلية

تطور نفوذ إيران على المضيق من مجرد تعطيل إلى سيطرة تشغيلية شبه كاملة. ويُطلب من السفن بشكل متزايد تقديم تفاصيل الشحنة والطاقم، وفي بعض الحالات، دفع رسوم، عبر وسطاء لضمان المرور الآمن.

وتُعدّ طهران حاليًا تشريعًا لإضفاء الطابع الرسمي على هذا النظام من خلال آلية رسوم، ما يُرسّخ سلطتها فعليًا على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وبينما يضمن القانون البحري الدولي، وتحديدًا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حق المرور عبر هذه الممرات المائية، لم تُصدّق إيران ولا الولايات المتحدة رسميًا على الاتفاقية، ما يُعقّد عملية إنفاذها.

سلاح غير متكافئ ضد القوى العالمية

أثبتت استراتيجية إيران أنها أداة غير متكافئة فعّالة للغاية ضد اثنين من أقوى جيوش العالم. فمن خلال تقييد الوصول إلى مضيق هرمز، تمكنت طهران من:

  • تعطيل تدفقات الطاقة العالمية
  • رفع أسعار النفط
  • ممارسة الضغط على الأسواق الدولية
  • إجبار كبار مستوردي الطاقة على الانخراط في حوار دبلوماسي

ارتفعت أسعار خام برنت بنسبة تقارب 60% خلال النزاع، مما يعكس تأثير انخفاض تدفقات النفط وتزايد حالة عدم اليقين على السوق.

صادرات النفط تتحدى التوقعات

على عكس الافتراضات السائدة، تمكنت إيران من الحفاظ على صادراتها النفطية، بل وزيادتها، خلال النزاع. وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن معظم النفط الإيراني لا يزال يتدفق، متجهاً في معظمه إلى الصين.

صدرت إيران ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً في مارس، مسجلةً زيادة تقارب 8% مقارنة بمتوسطها لعام 2025. وقد حقق هذا عائدات كبيرة لطهران، حتى في الوقت الذي يواجه فيه المنتجون المنافسون اضطرابات شديدة.

في المقابل:

  • انخفضت صادرات العراق بأكثر من 80%.
  • تراجعت شحنات السعودية بأكثر من 25% رغم وجود مسارات بديلة لخطوط الأنابيب.

أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط

يُعيد تشديد إيران قبضتها على مضيق هرمز تشكيل ديناميكيات الطاقة العالمية. وقد سعت دول تعتمد بشكل كبير على واردات النفط – بما فيها الهند وتركيا وباكستان وتايلاند – إلى الحصول على موافقة طهران لنقل شحناتها، مما يُبرز نفوذها الدبلوماسي المتنامي.

حتى واشنطن قدمت تنازلات محدودة، حيث خففت بعض العقوبات المفروضة على النفط الإيراني لتحقيق استقرار الأسعار. فعلى سبيل المثال، استأنفت الهند استيراد الغاز البترولي المسال الإيراني لأول مرة منذ نحو ثماني سنوات.

في غضون ذلك، يسعى منتجو الخليج جاهدين لإعادة توجيه صادراتهم عبر ممرات بديلة كالبحر الأحمر وخليج عُمان، مما يُسرّع التحولات في الخدمات اللوجستية للطاقة الإقليمية.

مخاطر متزايدة على الشحن والتأمين

حوّلت الحرب الخليج العربي إلى منطقة عالية المخاطر للتجارة البحرية. صنّفت لجنة الحرب المشتركة جزءًا كبيرًا من المنطقة كمنطقة معرضة لخطر الحرب، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أقساط التأمين:

حوالي 1.5% من قيمة السفن في الخليج.

تصل إلى 10% لعبور مضيق هرمز.

أصبحت أسواق الشحن أكثر تقلبًا، بينما تفقد معايير التسعير التقليدية مصداقيتها، وفقًا لتجار ومسؤولين في القطاع.

واقع جديد ما بعد الحرب

قد يُتيح نظام الرسوم المقترح من إيران سبيلًا لاستعادة حركة الملاحة جزئيًا، ولكنه يُشير أيضًا إلى تحوّل جذري في كيفية إدارة المضيق. حتى في حال وقف إطلاق النار، يُحذّر العاملون في القطاع من أن العودة الكاملة إلى ظروف ما قبل الحرب أمرٌ مستبعد.

لا يزال مالكو السفن وشركات التأمين حذرين، خشية انتهاكات محتملة للعقوبات الأمريكية وسابقة تجاوز المعايير البحرية الدولية المُعتمدة.

كما أشار أحد المسؤولين التنفيذيين في القطاع، فإن السماح بالسيطرة الأحادية على ممر مائي بالغ الأهمية كهذا يُهدد بتقويض عقود من الأطر القانونية والتجارية التي تُنظم النقل البحري العالمي.

اقرأ أيضا.. مليار دولار في شهر.. كيف سيطرت توتال إنيرجيز على سوق النفط بالشرق الأوسط وقت الحرب؟

القوة من خلال السيطرة على نقاط الاختناق

يُبرز توطيد إيران لسيطرتها على مضيق هرمز كيف يُمكن للجغرافيا الاستراتيجية أن تتفوق على القوة العسكرية التقليدية.

فمن خلال تحويل شريان بحري حيوي إلى أداة نفوذ، أعادت طهران تشكيل موازين القوى في المنطقة، مُبرهنةً على أن السيطرة على طرق الطاقة يُمكن أن تُضاهي المكاسب الميدانية في الصراعات الجيوسياسية الحديثة.





الزهراء