التحالف الروسي الإيراني.. لماذا تُكثّف موسكو دعمها لطهران المُحاصرة؟
تُكثّف روسيا دعمها لإيران في ظلّ تصاعد الضغوط الأمريكية التي تُهدّد نفوذ موسكو العالمي وشبكة تحالفاتها العريقة.
بينما حقّقت الحرب مع إيران مكاسب اقتصادية قصيرة الأجل لروسيا، لا سيما من خلال ارتفاع أسعار النفط وتخفيف القيود على صادراتها من الطاقة، فإنّ التداعيات الجيوسياسية الأوسع نطاقًا تُثبت أنها أكثر تعقيدًا.
وفقا لتقرير وول ستريت جورنال، في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تواجه موسكو الآن الولايات المتحدة بموقف أكثر حزمًا، مما يُعيد تشكيل ديناميكيات القوة العالمية ويُجبر الكرملين على إعادة النظر في أولويات سياسته الخارجية.
الدعم العسكري يُشير إلى تعميق العلاقات
في الأسابيع الأخيرة، وسّعت روسيا نطاق مساعداتها لطهران، مُقدّمةً معلومات استخباراتية عبر الأقمار الصناعية وتكنولوجيا الطائرات المُسيّرة لدعم العمليات الإيرانية ضدّ القوات الأمريكية في المنطقة.
وفقًا للتقارير، ساعدت الخبرة العسكرية الروسية، المُستمدة من برنامجها “الحرب في إيران”، إيران على تحسين تكتيكات ضربات الطائرات المُسيّرة، بما في ذلك استراتيجيات الارتفاع والانتشار.
يعكس هذا التعاون حسابات استراتيجية أوسع نطاقًا: فالحفاظ على إيران كشريك إقليمي رئيسي أمرٌ ضروري لترسيخ نفوذ روسيا في الشرق الأوسط.
إيران حجر الزاوية في النفوذ الإقليمي
تتبوأ إيران مكانة محورية في شبكة تحالفات موسكو، إذ تُعدّ ركيزة أساسية للميليشيات الإقليمية كحزب الله. وقد شكّلت هذه الجماعات تاريخيًا تحديًا للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي، فضلًا عن تسهيلها للتبادلات اللوجستية والتكنولوجية التي تُفيد الجيش الروسي.
رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة، أظهرت طهران صمودًا، إذ واصلت شنّ هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، وعطّلت طرقًا حيوية في إيران، بما فيها مضيق هرمز. ويعزز هذا الصمود قيمة إيران بالنسبة لموسكو كقوة موازنة للقوة الغربية.
شبكة عالمية متضائلة
يأتي تزايد دعم روسيا لإيران في ظلّ تراجع شراكاتها الدولية الأوسع. بعد أن كانت موسكو ثاني أكبر مُصدّر للأسلحة في العالم، تراجع نفوذها في عدة مناطق:
في أمريكا اللاتينية، أضعفت الإجراءات الأمريكية ضد فنزويلا – حيث اعتُقل الرئيس نيكولاس مادورو – حليفًا روسيًا رئيسيًا.
في منطقة الكاريبي، شددت واشنطن حصارها على كوبا، وهي شريك روسي قديم آخر.
في منطقة الساحل الأفريقي، كافحت القوات المدعومة من روسيا لاحتواء التهديدات الجهادية في دول مثل مالي وبوركينا فاسو.
في غضون ذلك، أصبحت سوريا – التي كانت ركيزة أساسية في استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط – أرضًا غير مستقرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، الذي يقيم الآن في موسكو.
تصاعد التوترات مع واشنطن
يُستخدم تقارب الكرملين المتزايد مع إيران كورقة ضغط في مواجهته الأوسع مع الولايات المتحدة. وتشير التقارير إلى أن مسؤولين روسًا اقترحوا الحد من الدعم الاستخباراتي لإيران مقابل تنازلات أمريكية مماثلة في أوكرانيا، مما يُبرز مدى ترابط هذه الصراعات.
في الوقت نفسه، يتفاقم استياء موسكو من السياسة الأمريكية. فقد صادرت القوات الأمريكية شحنات نفط مرتبطة بروسيا، بينما دفعت الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية الشركات الروسية إلى الخروج من أسواق رئيسية مثل فنزويلا.
حتى في المناطق التي كانت تقليديًا ضمن نطاق نفوذ موسكو، بدأت واشنطن في فرض سيطرتها. ويُشير الانخراط الدبلوماسي الأمريكي في جنوب القوقاز – الذي يجمع قادة مثل نيكول باشينيان وإلهام علييف – إلى تحدٍّ أوسع للهيمنة الروسية.
مقامرة محسوبة من أجل مكانة عالمية
بالنسبة للكرملين، يُعد بقاء النظام الإيراني أكثر من مجرد هاجس إقليمي، فهو اختبار لقدرة روسيا على الحفاظ على مكانتها كقوة عالمية. ويُتيح دعم طهران لموسكو فرصة لإثبات قدرتها على حماية حلفائها ومواجهة النفوذ العسكري الأمريكي.
لكن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر. مع تقلص شبكة شراكات روسيا وتوسع الضغط الأمريكي في مناطق متعددة، قد يكشف اعتماد موسكو على مجموعة أصغر من الحلفاء – وعلى رأسهم إيران – في نهاية المطاف عن حدود نفوذها العالمي.
اقرأ أيضا.. مليار دولار في شهر.. كيف سيطرت توتال إنيرجيز على سوق النفط بالشرق الأوسط وقت الحرب؟
مستقبل غامض للسياسة الخارجية الروسية
داخل روسيا، تتزايد الأصوات المطالبة بموقف أكثر حزمًا تجاه الغرب. وقد حذرت شخصيات مثل ألكسندر دوغين من أن موسكو، في غياب إصلاحات حاسمة، تخاطر بفقدان حلفائها المتبقين واحدًا تلو الآخر.
وبالتالي، يعكس تعميق التحالف الروسي الإيراني ضرورة وطموحًا في آن واحد: توسيع نطاق العلاقات مع إيران بسرعة، حتى مع اختلال موازين القوى تحت وطأة التدخل الأمريكي المتجدد.

تعليقات