شبكة المصالح الخفية.. كيف يحمي نظام إيران نفسه من السقوط رغم الحرب؟
في خضم الضغوط العسكرية المتصاعدة والتحديات الاقتصادية التي تضرب إيران من أكثر من اتجاه، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة، وهو كيف لا يزال النظام الإيراني صامدًا رغم كل هذه الضربات؟ الإجابة لا تكمن فقط في الأيديولوجيا أو القبضة الأمنية، بل في شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي تم بناؤها بعناية على مدار عقود، لتشكل درعًا داخليًا يحمي النظام من الانهيار.
هذه الشبكة، التي تمتد عبر مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، لا تعمل فقط كأداة سيطرة، بل كمنظومة متكاملة تربط مصير ملايين الإيرانيين ببقاء النظام، ما يجعل أي محاولة لإسقاطه تهديدًا مباشرًا لمصالحهم الشخصية.
اقتصاد موازٍ.. العمود الفقري لبقاء النظام
بحسب صحيفة “نيويورك تايمز”، فإنه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لم يكتفِ النظام ببناء مؤسسات سياسية وأمنية، بل أنشأ منظومة اقتصادية ضخمة موازية للدولة الرسمية. هذه المنظومة باتت تسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد الإيراني، وتُدار عبر شبكة من الكيانات المرتبطة بالحرس الثوري والمؤسسات الدينية.
هذه السيطرة لا تعني فقط امتلاك الموارد، بل توظيفها كوسيلة ولاء، حيث يتم توزيع الامتيازات الاقتصادية على الموالين، من وظائف ورواتب إلى فرص استثمار وقروض ميسرة. وبمرور الوقت، تحولت هذه الامتيازات إلى عقد غير مكتوب بين النظام وأنصاره.
الولاء مقابل الامتيازات.. عقد غير معلن
لا يعتمد النظام الإيراني فقط على القمع لضبط الداخل، بل على نظام حوافز يجعل الولاء خيارًا مربحًا. فالموالون يحصلون على مزايا ملموسة تشمل دعمًا ماليًا مباشرًا، وأولوية في القبول بالجامعات، وإمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية بأسعار تفضيلية، إلى جانب قروض منخفضة التكلفة.
وبحسب محللين نقلت عنهم صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن هذا “العقد الاقتصادي الاجتماعي” هو ما يفسر تماسك القاعدة المؤيدة للنظام، رغم أن نسبة التأييد الشعبي لا تتجاوز خُمس السكان. لكن هذه النسبة، وإن كانت محدودة، تُعد أكثر تنظيمًا وترابطًا من المعارضة، ما يمنح النظام ميزة حاسمة في الاستمرار.
الحرس الثوري.. إمبراطورية داخل الدولة
في قلب هذه الشبكة يقف الحرس الثوري، القوة العسكرية التي تحولت إلى لاعب اقتصادي عملاق. هذه المؤسسة لا تكتفي بالدور الأمني، بل تدير شركات كبرى وتسيطر على قطاعات استراتيجية مثل النفط والغاز والبنية التحتية والاتصالات.
ويضم الحرس عشرات الآلاف من العناصر المدفوعة، الذين يشكلون بدورهم قاعدة اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالنظام. فهؤلاء لا يدافعون فقط عن السلطة، بل عن مصالحهم المباشرة المرتبطة بها.
كما أن شركات الحرس حصلت على عقود ضخمة في مجالات بناء السدود والطرق والمترو والمستشفيات، خاصة بعد انسحاب الشركات الأجنبية نتيجة العقوبات، ما عزز نفوذها الاقتصادي بشكل غير مسبوق.
“الباسيج”.. الذراع الشعبية للسيطرة
إلى جانب الحرس الثوري، تلعب قوات الباسيج دورًا محوريًا في تثبيت النظام. هذه القوة شبه العسكرية، التي تضم مئات الآلاف من المتطوعين، تمثل الامتداد الشعبي للسلطة داخل المجتمع.
أفراد الباسيج ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل جزء منه: طلاب، موظفون، تجار. ينتشرون في الجامعات والمؤسسات، ويحصلون على امتيازات مقابل مشاركتهم في دعم النظام، سواء عبر مراقبة المجتمع أو قمع الاحتجاجات.
وتشير شهادات إلى أن بعض المنتمين لهذه القوة استفادوا بشكل مباشر من النظام، عبر الحصول على قروض لشراء عقارات أو فرص عمل مميزة، ما يعزز ارتباطهم ببقاء الوضع القائم.
المؤسسات الدينية.. اقتصاد بلا ضرائب
إلى جانب الأجهزة العسكرية، تلعب المؤسسات الدينية دورًا اقتصاديًا ضخمًا عبر ما يُعرف بـ”البُنياد”، وهي مؤسسات خيرية ظاهريًا لكنها تدير استثمارات واسعة.
هذه المؤسسات، المرتبطة برجال الدين المحافظين، تتمتع بإعفاءات ضريبية وتسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من شبكة النفوذ المالي للنظام.
وبحسب تقديرات نقلتها “وول ستريت جورنال” عن مراكز بحثية، فإن هذا التحالف بين الحرس الثوري والمؤسسات الدينية يشكل ما يشبه “مجمعًا عسكريًا اقتصاديًا”، يمثل العمود الفقري للاقتصاد السياسي في إيران.
الوظائف الحكومية.. ولاء تحت الضغط
يمتد نفوذ النظام إلى الجهاز الإداري للدولة، حيث يعمل ملايين الموظفين الحكوميين ضمن منظومة تتطلب إظهار الولاء. وفي كثير من الأحيان، يتم حشد هؤلاء للمشاركة في فعاليات مؤيدة للنظام، ضمن ضغوط مهنية غير مباشرة.
هذا الارتباط الوظيفي يعزز من صعوبة حدوث انشقاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة، لأن فقدان الوظيفة يعني فقدان مصدر الدخل والاستقرار.
التعليم كأداة إعادة إنتاج النخبة
يبدأ بناء هذه الشبكة منذ مراحل مبكرة، حيث يحصل أبناء الموالين على فرص أفضل في التعليم، خاصة في الجامعات المرموقة. هذا الامتياز يفتح أمامهم أبواب الوظائف العليا داخل الدولة والشركات المرتبطة بها.
وبمرور الوقت، يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج نخبة مرتبطة بالنظام، تسيطر على مفاصل الاقتصاد والإدارة، ما يعمّق من استمرارية المنظومة.
لماذا يصعب إسقاط النظام؟
رغم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية، فإن هذه الشبكة تجعل من الصعب تفكيك النظام من الداخل. فالمستفيدون منها، وهم بالملايين، لديهم حافز قوي للحفاظ عليها.
ويرى خبراء، بحسب ما نقلته “وول ستريت جورنال”، أن إقناع هذه الفئات بالانقلاب على النظام يكاد يكون مستحيلًا، لأن ذلك يعني خسارة امتيازاتهم ومصادر دخلهم.
صمود رغم العزلة
في ظل الحرب والضغوط الدولية، يظهر أن النظام الإيراني لا يعتمد فقط على القوة الصلبة، بل على منظومة معقدة من المصالح التي تجعل بقاءه خيارًا منطقيًا لكثيرين داخليًا.
هذه الحقيقة تفسر كيف يمكن لنظام يواجه معارضة شعبية وضغوطًا خارجية هائلة أن يستمر، بل ويحافظ على تماسكه، لأن سقوطه لا يعني فقط تغييرًا سياسيًا، بل انهيار شبكة مصالح واسعة تمتد في عمق المجتمع.
اقرأ أيضًا: فضيحة إلكترونية تضرب واشنطن.. كيف نجح قراصنة إيران في اختراق البريد الإلكتروني لمدير FBI كاش باتيل؟

تعليقات