ضربات غير مسبوقة.. ماذا تبقى من برنامج إيران الصاروخي بعد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية؟

ضربات غير مسبوقة.. ماذا تبقى من برنامج إيران الصاروخي بعد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية؟
صور بالأقمار الصناعية للمنشآت الإيرانية المدمرة


دخلت البنية التحتية الصاروخية في إيران مرحلة حرجة بعد أسابيع من الضربات المكثفة التي استهدفت قلب برنامج إيران الصاروخي والعسكري، في واحدة من أعنف الحملات الجوية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة. فخلال الأسابيع الأربعة الأولى من الحرب، تعرضت مواقع تصنيع وإطلاق الصواريخ الباليستية لضربات مباشرة، أحدثت خللًا واضحًا في قدرات إيران التشغيلية، لكنها لم تُنهِ برنامجها بالكامل.

استهداف ممنهج لبرنامج الصواريخ الإيراني

بحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، تركزت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إضعاف العمود الفقري للاستراتيجية العسكرية الإيرانية، عبر استهداف مواقع الإنتاج والتطوير والإطلاق. وتشير التقديرات إلى تضرر أربعة من أهم مواقع تصنيع الصواريخ، إلى جانب استهداف ما لا يقل عن 29 قاعدة إطلاق.

هذه الضربات لم تكن عشوائية، بل استهدفت حلقات أساسية في سلسلة إنتاج الصواريخ، بدءًا من تصنيع الوقود، وصولًا إلى منصات الإطلاق والبنية التحتية الداعمة. ووفق تحليل شامل، فإن هذا النهج يهدف إلى تعطيل القدرة الإيرانية على شن هجمات صاروخية واسعة النطاق.

منشآت إيرانية تعرضت للقصف
منشآت إيرانية تعرضت للقصف

تدمير منشآت الإنتاج.. ضربة للقدرات المستقبلية

أبرز ما كشفت عنه البيانات هو حجم الدمار الذي لحق بمواقع التصنيع الحيوية، والتي تشرف عليها الحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع. وتشمل هذه المواقع مجمعات خوجير وبارشين وحكيمية وشاهرود، التي تمثل مراكز رئيسية لإنتاج الوقود وتجميع الصواريخ.

الضربات الجوية استهدفت أنظمة الإنتاج المعقدة، بما في ذلك منشآت تصنيع الوقود الصلب والسائل، وهو ما أدى إلى تعطيل مؤقت لقدرة إيران على إنتاج صواريخ جديدة، خاصة قصيرة ومتوسطة المدى.

وتظهر صور الأقمار الصناعية أن نحو 88 منشأة في مجمع خوجير شرق طهران تعرضت للتدمير، في حين تضرر ما لا يقل عن 28 مبنى في مجمع شاهرود، الذي يعد مركزًا رئيسيًا لأبحاث وإنتاج الوقود الصلب.

كما طالت الضربات مجمع بارشين العسكري، حيث تم استهداف 12 منشأة، إضافة إلى مجمع حكيمية الذي شهد تدمير 19 منشأة تشمل مرافق لإنتاج الوقود السائل ومنصات الإطلاق.

الوقود الصاروخي.. نقطة الضعف الحاسمة

تعتمد الصواريخ الباليستية الإيرانية على نوعين رئيسيين من الوقود: الصلب والسائل. ويُستخدم الوقود الصلب في الصواريخ قصيرة المدى نظرًا لسرعة إطلاقه وكفاءته العملياتية، بينما يُستخدم الوقود السائل في الصواريخ بعيدة المدى رغم حاجته لوقت أطول في التجهيز.

استهداف هذه المنشآت يمثل ضربة مباشرة لقدرة إيران على تشغيل منظومتها الصاروخية، إذ إن تعطيل إنتاج الوقود يعني عمليًا تعطيل جزء كبير من القدرة على تصنيع صواريخ جديدة.

منشآت إيرانية تعرضت للقصف
منشآت إيرانية تعرضت للقصف

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن خبراء أن فقدان القدرة على إنتاج الوقود الصاروخي يوقف فعليًا عملية تطوير الصواريخ إلى حين إعادة بناء هذه المنشآت.

قواعد الإطلاق.. شل القدرة التشغيلية

لم تقتصر الضربات على التصنيع، بل امتدت إلى قواعد إطلاق الصواريخ، التي تُعد عنصرًا حاسمًا في تنفيذ الهجمات. وتشير التقديرات إلى استهداف ما لا يقل عن 29 قاعدة إطلاق، وهو رقم يقترب من إجمالي القواعد المعروفة داخل إيران.

تعتمد هذه القواعد بشكل أساسي على منشآت تحت الأرض، يتم الوصول إليها عبر أنفاق محفورة في الجبال، ما يمنحها درجة عالية من الحماية. إلا أن الضربات ركزت على مداخل هذه الأنفاق، ما أدى إلى إغلاقها مؤقتًا ومنع الوصول إلى الصواريخ المخزنة.

هذا التكتيك أدى إلى إبطاء عمليات الإطلاق بشكل كبير، إذ أصبح تجهيز المنصات يستغرق وقتًا أطول، ما يمنح القوات الأمريكية والإسرائيلية فرصة أكبر لرصدها واستهدافها قبل الاستخدام.

مواقع رئيسية تحت النار

من بين أبرز القواعد التي تعرضت للضربات قاعدة خورغو على ساحل الخليج، والتي استُهدفت مرتين على الأقل، ما أدى إلى تدمير 15 منشأة وإصابة مداخل أنفاق رئيسية.

كما تعرضت قاعدة الإمام علي في غرب إيران لضربات أصابت 9 منشآت فوق الأرض، إضافة إلى مداخل أنفاق، ما أعاق الوصول إلى الصواريخ المخزنة.

منشآت إيرانية تعرضت للقصف
منشآت إيرانية تعرضت للقصف

وتُستخدم القواعد الواقعة في وسط وغرب إيران لإطلاق صواريخ متوسطة المدى باتجاه إسرائيل، في حين تُستخدم القواعد القريبة من الخليج لإطلاق صواريخ قصيرة المدى نحو دول المنطقة.

هل انتهى البرنامج الصاروخي الإيراني؟

رغم حجم الدمار، فإن المؤشرات الميدانية تؤكد أن البرنامج الصاروخي الإيراني لم يُدمَّر بالكامل. إذ لا تزال إيران قادرة على إطلاق الصواريخ، وإن بوتيرة أقل.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن خبراء أن استمرار إطلاق الصواريخ يعد دليلًا واضحًا على بقاء القدرات الأساسية، رغم تراجعها.

كما أشار خبراء إلى أن إيران تمتلك خبرة طويلة في إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد الضربات، إضافة إلى اعتمادها على سلاسل إمداد خارجية يمكن أن تعوض جزءًا من الخسائر.

منصات متحركة.. عامل يصعب استهدافه

أحد أبرز التحديات أمام استهداف البرنامج الإيراني هو استخدام منصات إطلاق متحركة، يصعب رصدها وتدميرها. هذه المنصات تمنح إيران مرونة كبيرة في تنفيذ الهجمات، وتقلل من اعتمادها على القواعد الثابتة.

ولا توجد تقديرات دقيقة لعدد هذه المنصات، ما يجعلها عنصرًا غامضًا في المعادلة العسكرية، ويعزز قدرة إيران على مواصلة عملياتها رغم الضربات.

قاعدة الإمام علي
قاعدة الإمام علي

تراجع الهجمات.. لكن الخطر قائم

تشير التقديرات إلى انخفاض الهجمات الصاروخية الإيرانية بنسبة تصل إلى 90% منذ بداية الحرب، وهو ما يعكس تأثير الضربات على القدرة التشغيلية.

لكن في المقابل، لا يزال الجيش الأمريكي يعترف بأن إيران تحتفظ بقدرات صاروخية، وهو ما يعني أن الخطر لم ينتهِ.

بل إن إيران أظهرت قدرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى، بما في ذلك إطلاق صواريخ متوسطة المدى باتجاه قاعدة عسكرية في المحيط الهندي، على بعد نحو 2000 ميل.

استراتيجية الردع لم تتغير

رغم الخسائر، تشير التقديرات إلى أن إيران لن تتخلى عن برنامجها الصاروخي، الذي يمثل حجر الأساس في استراتيجيتها الدفاعية.

ووفقًا لما نقلته صحيفة “واشنطن بوست” عن خبراء، فإن الصواريخ ستظل أداة الردع الرئيسية لطهران، حتى في حال تعرض بنيتها التحتية لأضرار كبيرة.

كما يرى محللون أن أي تغيير جذري في هذه الاستراتيجية مرهون ببقاء النظام السياسي نفسه، وهو ما يجعل البرنامج الصاروخي جزءًا ثابتًا من العقيدة العسكرية الإيرانية.

حرب استنزاف طويلة

تشير المعطيات الحالية إلى أن ما يحدث ليس تدميرًا نهائيًا، بل حرب استنزاف تستهدف إضعاف البرنامج على المدى الطويل.

فالضربات نجحت في تعطيل الإنتاج وإبطاء العمليات، لكنها لم تقضِ على القدرة بالكامل، ما يعني أن إيران قد تعود تدريجيًا إلى استعادة قدراتها، خاصة إذا تمكنت من إعادة بناء منشآتها.

وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن الصراع حول البرنامج الصاروخي الإيراني سيدخل مرحلة جديدة، عنوانها التوازن بين التدمير وإعادة البناء، وبين الردع والاستنزاف.

اقرأ أيضًا: خسائر الإمارات بسبب حرب إيران.. أرقام صادمة تضرب الاقتصاد





الزهراء