ليست مصر وحدها.. دول لجأت إلى تخفيف أحمال الكهرباء وإثيوبيا وجهت الطاقة لقطاع واحد فقط

ليست مصر وحدها.. دول لجأت إلى تخفيف أحمال الكهرباء وإثيوبيا وجهت الطاقة لقطاع واحد فقط
خطوط كهرباء - صورة متداولة


دخل العالم مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب في أسواق الطاقة، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الحرب في الشرق الأوسط إلى هزة عنيفة في إمدادات النفط والغاز، دفعت أسعار الطاقة للارتفاع بنحو 40 بالمئة ما تسبب في أزمة شديدة بالكهرباء. هذا الأمر وضع الحكومات أمام اختبار قاسٍ لإدارة الأزمة عن طريق تخفيف أحمال الكهرباء بداية من مصر وحتى إثيوبيا.

وفي تحذير لافت، اعتبرت غرفة التجارة الدولية أن العالم قد يكون على أعتاب “أسوأ أزمة صناعية في التاريخ الحديث”، بينما أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية إلى أن ما يجري يتجاوز في خطورته صدمات النفط في سبعينيات القرن الماضي، ليس فقط بسبب الأسعار، بل نتيجة تعطل الإنتاج الصناعي نفسه بسبب نقص الطاقة.

وسط هذا المشهد، تحركت دول العالم بسرعة لاحتواء التداعيات، عبر مزيج من تخفيف أحمال الكهرباء، ورفع الدعم، وتقييد الاستهلاك، والبحث عن مصادر بديلة، في سباق مع الزمن لتجنب الانهيار.

أوروبا تحت الضغط.. دعم مؤقت وضرائب استثنائية

في القارة الأوروبية، بدأت الحكومات إعادة حساباتها الاقتصادية سريعًا مع تسارع الأزمة.

في فرنسا، خفضت هيئة الإحصاء توقعات النمو إلى مستويات متواضعة للغاية، مع تراجع استهلاك الأسر بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، ما يهدد المحرك الأساسي للاقتصاد.

أما إيطاليا، فتدرس خفض الضرائب على الوقود لتخفيف العبء عن المواطنين، مقابل فرض ضرائب إضافية على الشركات التي تحقق أرباحًا استثنائية من الأزمة.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، طرحت عدة إجراءات عاجلة تشمل خفض ضرائب الكهرباء، وتقليل رسوم الشبكات، وتقديم دعم حكومي مباشر، كحلول مؤقتة لتجنب صدمة اقتصادية أوسع.

أما إسبانيا واليونان فذهبتا في الاتجاه ذاته، عبر دعم الوقود وتقديم إعانات للمزارعين وخفض أسعار الطاقة، بينما لجأت سلوفينيا إلى تقييد شراء الوقود لمنع التخزين المفرط.

وفي صربيا، تم خفض الضرائب على النفط بنسبة كبيرة مع حظر تصدير الوقود لحماية السوق المحلي من النقص.

آسيا في قلب العاصفة.. طوارئ طاقة وقرارات قاسية

الدول الآسيوية، التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، كانت الأكثر تأثرًا. ففي الفلبين، أعلنت حالة طوارئ وطنية في الطاقة، مع زيادة إنتاج محطات الفحم لتقليل تكلفة الكهرباء، وسط مخاوف من نقص الإمدادات.

وفي فيتنام، تضاعفت أسعار الديزل، ما دفع الحكومة للبحث عن إمدادات من عدة دول، إلى جانب توقيع اتفاقيات جديدة مع روسيا لتعزيز الإنتاج.

أما الهند اتخذت إجراءات أكثر صرامة، حيث قيدت استخدام الغاز المنزلي، ووجهت المصافي لزيادة الإنتاج، مع تقليص الصادرات لضمان تلبية الطلب المحلي.

ورفعت كوريا الجنوبية الاعتماد على الفحم والطاقة النووية، بينما منعت الصين تصدير الوقود المكرر لتأمين احتياجاتها الداخلية. وفي اليابان، تم الضغط على الموردين لزيادة إنتاج الغاز، في حين لجأت كمبوديا وماليزيا وتايلاند إلى مزيج من الاستيراد والدعم الحكومي وتثبيت الأسعار.

أفريقيا.. تقنين الكهرباء وتغيير تركيبة الوقود

في القارة الأفريقية، ظهرت الأزمة بشكل أكثر حدة، خاصة في الدول ذات البنية التحتية الهشة. ففي جنوب السودان بدأت الحكومة بالفعل تطبيق نظام تقنين الكهرباء في العاصمة جوبا، حيث تنقطع الكهرباء لساعات طويلة يوميًا، ما شلّ النشاط الاقتصادي في بعض المناطق.

وفي إثيوبيا، تم توجيه الوقود إلى القطاعات الحيوية فقط، مع تقييد الاستهلاك العام، بينما رفعت زيمبابوي نسبة الإيثانول في الوقود لتقليل الاعتماد على البنزين.

وشهدت كينيا نقصًا في الوقود نتيجة الشراء بدافع الذعر، ما دفع الحكومة للتحذير من تخزين الوقود، في حين تأثرت صادرات الزهور بسبب اضطرابات الشحن.

أما موريشيوس، فأعلنت إجراءات لتقليل استهلاك الكهرباء، تشمل تقليص الإضاءة غير الضرورية، بعد انخفاض المخزون النفطي إلى مستويات خطيرة.

في المقابل، قد تستفيد دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإنتاج أو تنشيط موانئها بسبب تغيير مسارات الشحن العالمية.

الشرق الأوسط.. احتياطيات تحت الاختبار

في المنطقة العربية، تختلف الصورة بين دول تمتلك احتياطيات وأخرى تواجه ضغوطًا متزايدة. فقد أكد الأردن عدم اللجوء إلى قطع الكهرباء حاليًا، مستندًا إلى مخزون استراتيجي يكفي لأسابيع، لكنه أقر بارتفاع كبير في تكاليف الطاقة، مع الاعتماد المتزايد على الغاز المسال والديزل.

أما دولة الكويت فقد تعرضت لهجوم بطائرات مسيرة على منشآت وقود وخطوط كهرباء الأسبوع الماضي، ما يعكس تصاعد المخاطر الأمنية على قطاع الطاقة.

قرارات قاسية.. من تخفيف الأحمال إلى رفع الأسعار

في دول أخرى، جاءت الإجراءات أكثر مباشرة وتأثيرًا على المواطنين.

سريلانكا فرضت تقليص استهلاك الكهرباء بنسبة 25 بالمئة، مع إطفاء الإضاءة العامة والإعلانات، ورفع أسعار الوقود، والدعوة لتقليل استخدام الأجهزة الكهربائية. ورفعت بنجلاديش أسعار وقود الطائرات بشكل حاد، في حين خفضت أيرلندا الضرائب على البنزين والديزل مؤقتًا لتخفيف العبء.

وفي أستراليا، تم السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لتغطية النقص، بينما زادت إندونيسيا إنتاج الفحم ودرست فرض ضرائب على أرباح التصدير.

وفي فنزويلا، عادت أزمة الكهرباء للواجهة بقوة، مع انقطاعات تصل إلى ثماني ساعات يوميًا في بعض المناطق، ما دفع الحكومة لإطلاق خطة وطنية لترشيد الاستهلاك. وتشمل الإجراءات خفض استخدام التكييف، وفصل الأجهزة غير الضرورية، وسط اعتراف رسمي بأن القدرة الإنتاجية لا تلبي الطلب.

أما البرازيل، فاختارت دعم واردات الديزل عبر إعانات حكومية، مع فرض ضرائب على صادرات النفط.

أزمات الشبكات.. من كوبا إلى مولدوفا

في كوبا، انهارت شبكة الكهرباء بالكامل عدة مرات خلال شهر واحد، نتيجة أعطال في محطات التوليد، ما أدى إلى انقطاع شامل للكهرباء.

وفي مولدوفا، تدرس الحكومة اللجوء إلى قطع كهرباء مبرمج إذا استمرت الأزمة، بعد تضرر خطوط الإمداد بسبب هجمات على البنية التحتية في أوكرانيا، مع فرض قيود على الاستهلاك الصناعي وتقليل الإضاءة العامة.

لماذا تلجأ الدول لتخفيف الأحمال؟

الإجراءات التي اتخذتها الدول، رغم اختلافها، تتقاطع في هدف رئيسي: تقليل الضغط على الشبكات والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

تخفيف الأحمال أصبح خيارًا اضطراريًا عندما تفشل الإمدادات في تلبية الطلب، خاصة مع ارتفاع الأسعار، وتعطل سلاسل التوريد، وتزايد الطلب الصناعي والمنزلي.

كما تلجأ الحكومات إلى هذه الإجراءات لحماية القطاعات الحيوية مثل المستشفيات، ومنع انهيار الشبكات بالكامل.

هل نحن أمام أزمة طويلة؟

بحسب صحيفة “فايناشيال تايمز” البريطانية، فإن استمرار إغلاق الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، إلى جانب التصعيد العسكري، يعني أن أزمة الطاقة قد تطول، وربما تتفاقم.

ومع اعتماد العالم بشكل كبير على النفط والغاز، فإن أي اضطراب في الإمدادات ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، من الأسعار إلى الإنتاج وحتى الاستقرار الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: اقتصاد المغرب تحت ضغط الطاقة العالمية.. كيف تواجه المملكة التضخم وصدمة أسعار النفط؟





الزهراء