الجزائر تعيد تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا.. سباق أوروبي على الغاز في ظل أزمة مضيق هرمز يغيّر موازين الطاقة
في خضم واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، أعادت الجزائر تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الدبلوماسي إلى إعادة رسم خريطة إمدادات الغاز نحو أوروبا.
وجاء ذلك بالتزامن مع تسابق إيطاليا ومدريد لتأمين احتياجاتهما من الطاقة بعيدًا عن الشرق الأوسط.
وبحسب ما أوردته وكالة “بلومبيرج” الأمريكية، فقد جاء ذلك أيضًا في سياق أزمة متفاقمة بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما دفع الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل مستقرة، كان أبرزها الغاز الجزائري الذي عاد بقوة إلى الواجهة.
من القطيعة إلى الشراكة.. ماذا تغيّر بين الجزائر وإسبانيا؟
قرار إعادة تفعيل المعاهدة الموقعة عام 2002 لم يكن معزولًا عن سياق سياسي طويل ومعقد. فقد شهدت العلاقات بين الجزائر ومدريد توترًا حادًا منذ عام 2022، على خلفية تغيير الموقف الإسباني من قضية الصحراء، وهو ما دفع الجزائر حينها إلى تعليق الاتفاق وتجميد التعاون.
لكن التطورات الأخيرة كشفت عن براغماتية جديدة في إدارة العلاقات، حيث استقبل الرئيس عبد المجيد تبون وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، في زيارة وُصفت بأنها نقطة تحول، أعادت فتح قنوات الحوار وأرست أسس تعاون جديد يقوم على المصالح المتبادلة، وعلى رأسها الطاقة.
الغاز مقابل السياسة.. كيف كافأت الجزائر مدريد؟
ضمن هذا التقارب، قررت الجزائر زيادة إمدادات الغاز إلى إسبانيا بنسبة تقارب 12 بالمئة، عبر خط أنابيب ميدغاز، ليصل الضخ إلى نحو 32 مليون متر مكعب يوميًا، وهو مستوى يقترب من الحد الأقصى للطاقة التشغيلية للخط.
هذه الزيادة لم تأتِ فقط استجابة لاحتياجات السوق، بل حملت أيضًا دلالات سياسية، إذ ربطت تقارير إسبانية بين القرار وموقف مدريد من التطورات في الشرق الأوسط، ما يشير إلى استخدام الطاقة كأداة نفوذ دبلوماسي.
كما ألمح الوزير ألباريس إلى أن التعاون لا يقتصر على الإمدادات، بل يمتد إلى البنية التحتية والاستثمارات والتحليلات المشتركة، في إشارة إلى شراكة طويلة الأمد.
إيطاليا تدخل السباق.. لماذا تتجه روما نحو الجزائر؟
في موازاة التحرك الإسباني، تقود رئيسة الوزراء جورجا ميلوني جهودًا مكثفة لتعزيز واردات بلادها من الغاز الجزائري، في ظل مخاوف من نقص الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
وتعتمد إيطاليا بشكل كبير على الغاز، حيث يمثل المورد الجزائري نحو 35% من وارداتها عبر خط أنابيب ترانسميد، الذي يمر عبر تونس، ما يجعل الجزائر شريكًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
وتلعب شركة إيني دورًا محوريًا في هذه العلاقة، حيث تسعى لإعادة التفاوض على عقودها مع سوناطراك، وسط ضغوط لزيادة الكميات الموردة وتوجيه جزء أكبر منها إلى السوق الفورية.
أزمة هرمز تعيد تشكيل خريطة الطاقة
التحركات الأوروبية نحو الجزائر لا يمكن فصلها عن الأزمة الأوسع المرتبطة بمضيق هرمز، الذي شهد اضطرابات حادة أدت إلى تعطل جزء كبير من تدفقات النفط والغاز العالمية.
هذا الواقع دفع الدول الأوروبية إلى تسريع جهود تنويع مصادر الطاقة، والابتعاد عن الاعتماد المفرط على الشرق الأوسط، خاصة بعد الهجمات التي طالت منشآت الغاز في المنطقة.
وفي هذا السياق، برزت الجزائر كبديل موثوق، بفضل موقعها الجغرافي القريب من أوروبا، وبنيتها التحتية المتطورة، وقدرتها على زيادة الإنتاج نسبيًا.
قطر خارج المعادلة مؤقتًا.. فرصة للجزائر
تواجه إيطاليا أيضًا تحديًا إضافيًا يتمثل في تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال من قطر، التي كانت توفر نحو 31% من وارداتها، بعد تعرض منشآت حيوية لهجمات.
ومن المتوقع أن تستغرق عمليات الإصلاح سنوات، ما يعزز من أهمية الجزائر كمصدر بديل يمكنه سد جزء من الفجوة، وإن لم يكن قادرًا على تعويضها بالكامل.
البعد الجيوسياسي.. الصحراء الغربية في الخلفية
رغم الطابع الاقتصادي الظاهر، لا يمكن تجاهل الخلفية السياسية المرتبطة بقضية الصحراء، التي ظلت لسنوات محور توتر بين الجزائر وإسبانيا.
فالجزائر، الداعمة لجبهة البوليساريو، تنظر إلى الملف باعتباره قضية مبدئية تتعلق بحق تقرير المصير، بينما ترى إسبانيا في التقارب الحالي فرصة لإعادة التوازن في علاقاتها مع الجزائر دون خسارة موقعها في الملف.
هل تصبح الجزائر مركز الطاقة البديل لأوروبا؟
مع استمرار أزمة هرمز وتراجع بعض الإمدادات العالمية، تبرز الجزائر كأحد أبرز المرشحين للعب دور أكبر في تأمين احتياجات أوروبا من الغاز.
لكن هذا الدور يظل مرهونًا بعدة عوامل، من بينها القدرة الإنتاجية، والاستقرار السياسي، وتطور البنية التحتية، فضلًا عن المنافسة مع مصادر أخرى مثل الولايات المتحدة وروسيا.
ما يحدث حاليًا يمكن وصفه بسباق أوروبي على الغاز الجزائري، حيث تسعى كل من إسبانيا وإيطاليا إلى تأمين أكبر قدر ممكن من الإمدادات، في ظل سوق مضطربة وارتفاع الطلب.
هذا التنافس يمنح الجزائر موقعًا تفاوضيًا قويًا، يمكنها من إعادة صياغة عقودها وشروطها بما يتماشى مع مصالحها الاقتصادية والسياسية.
اقرأ أيضًا: خط شرق-غرب يتفوق على مضيق هرمز.. كيف أنقذت السعودية الأسواق العالمية من الانهيار؟

تعليقات