دبلوماسية الظل.. كيف أصبحت باكستان وسيطًا رئيسيًا في أزمة إيران؟

دبلوماسية الظل.. كيف أصبحت باكستان وسيطًا رئيسيًا في أزمة إيران؟
صورة تعبيرية


برزت باكستان كلاعب مفاجئ في قلب الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، مستفيدة من شبكة علاقاتها المعقدة وتاريخها الطويل في الوساطات، لتطرح نفسها جسراً دبلوماسياً في نزاع يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.

ووفقاً لما كشفته صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، فإن إسلام آباد لم تتحرك بشكل عفوي، بل عبر استراتيجية محسوبة تجمع بين المصالح الأمنية والرهانات السياسية.

بادرة هرمز: الإشارة الأولى لانطلاق الوساطة

التحول الأبرز جاء عندما سمحت طهران بمرور ناقلات نفط تحمل العلم الباكستاني عبر مضيق هرمز، وهي خطوة وُصفت في واشنطن بأنها مؤشر إيجابي على استعداد إيران للانخراط في مسار تفاوضي.

واعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الخطوة بمثابة “هدية”، تعكس جدية إيرانية في التوجه نحو وقف إطلاق النار.

وأظهرت هذه الإشارة قبولاً ضمنياً بدور باكستان كوسيط موثوق، قادر على التواصل مع الطرفين في وقت تتراجع فيه قنوات الاتصال المباشر.

دبلوماسية الاتصالات 

خلال أيام قليلة، توسعت التحركات الباكستانية بشكل لافت. قاد المشهد قائد الجيش عاصم منير، الذي أجرى سلسلة اتصالات مع الإدارة الأمريكية، بما في ذلك ترامب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب قيادات سياسية وعسكرية إيرانية.

هذه القنوات غير المعلنة أسفرت عن نقل مقترح أمريكي يتضمن خمسة عشر بنداً إلى طهران، في مقابل طرح إيراني موازٍ يقوم على خمسة محاور، ما يشير إلى أن الوساطة لم تعد مجرد مبادرة، بل تحولت إلى منصة تفاوض فعلية.

في الوقت ذاته، أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف استعداد بلاده لاستضافة المحادثات، في خطوة تعزز موقع إسلام آباد كمركز محتمل للحل السياسي.

لماذا باكستان؟ حسابات الجغرافيا والمصلحة

الدافع الباكستاني لا يمكن فصله عن الجغرافيا السياسية. فالدولة التي تمتلك حدوداً طويلة ومضطربة مع إيران، تدرك أن استمرار الحرب يعني تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي، سواء من حيث الأمن أو الاقتصاد.

الاقتصاد الباكستاني يعاني بالفعل من ضغوط حادة، وأي اضطراب في تدفقات الطاقة عبر الخليج قد يفاقم الأزمة. لذلك، فإن احتواء النزاع ليس خياراً دبلوماسياً فقط، بل ضرورة استراتيجية.

إضافة إلى ذلك، ترى القيادة الباكستانية في الوساطة فرصة لتعزيز علاقتها مع واشنطن، خاصة في ظل تحسن تدريجي في العلاقات خلال الفترة الأخيرة.

توازن دقيق بين طهران وواشنطن

غير أن هذا الدور لا يخلو من مخاطر معقدة. فإسلام آباد تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على ثقة إيران، دون خسارة الدعم الأمريكي.

تحذر تحليلات سياسية من أن أي انحياز ظاهر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصاً إذا تبين أن المفاوضات تُستخدم كغطاء لتحركات عسكرية. في هذه الحالة، قد تتعرض باكستان لاتهامات بالتواطؤ، ما يهدد مصداقيتها كوسيط.

كما أن الرأي العام الداخلي يمثل عاملاً ضاغطاً، إذ تميل قطاعات واسعة من المجتمع الباكستاني إلى التعاطف مع إيران، ما يجعل أي تقارب مفرط مع واشنطن أو تل أبيب خطوة محفوفة بالمخاطر.

إرث الوساطة.. تاريخ طويل يعزز الثقة

التحرك الحالي ليس الأول من نوعه. فقد بنت باكستان سمعتها كوسيط دولي منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما لعبت دوراً محورياً في فتح قنوات الاتصال بين واشنطن وبكين عبر زيارة هنري كيسنجر التاريخية إلى الصين.

وفي السنوات الأخيرة، ساهمت في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ما منحها خبرة تراكمية في إدارة ملفات معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن.

هذا الإرث يمنح إسلام آباد مصداقية نسبية، ويجعلها خياراً مقبولاً لدى أطراف متعارضة تبحث عن وسيط غير تقليدي.

تقارب حذر مع إيران.. من التوتر إلى التنسيق

رغم التوترات السابقة، شهدت العلاقات بين باكستان وإيران تقارباً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة. فقد تعاون الطرفان في مواجهة التهريب والجماعات المسلحة على طول حدودهما المشتركة، كما شهدت العلاقات زيارات رفيعة المستوى، من بينها لقاءات مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.

هذا التنسيق الأمني منح باكستان نقطة قوة إضافية، إذ باتت تمتلك قنوات اتصال مباشرة وفعالة مع طهران، وهو ما تفتقر إليه أطراف أخرى.

العامل الخليجي 

في المقابل، ترتبط باكستان بعلاقات عسكرية وثيقة مع دول الخليج، خصوصاً السعودية، حيث وقعت اتفاقية دفاع مشترك مؤخراً.

لكن هذا الارتباط تحول إلى مصدر قلق، مع تصاعد التوترات، إذ تخشى إسلام آباد من الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت داخل السعودية وأصابت جنوداً أمريكيين.

هذا الوضع يضع باكستان أمام تحدي إدارة تحالفاتها دون الانخراط المباشر في النزاع.

ضغط الشارع وأزمة الاقتصاد

لا تقتصر التحديات على الخارج. فباكستان تواجه أزمات داخلية معقدة، تشمل نقص الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة وتصاعد التوترات الأمنية.

كما أن وجود واحدة من أكبر المجتمعات الشيعية في العالم داخل البلاد يضيف بعداً حساساً، حيث يتابع الشارع التطورات في إيران بتعاطف واضح، ما يفرض على الحكومة مراعاة التوازن الداخلي في قراراتها الخارجية.

 لماذا تتحرك إسلام آباد الآن؟

يمكن فهم التحرك الباكستاني بوصفه محاولة للهروب من ضغوط الداخل عبر لعب دور أكبر على الساحة الدولية. فالتدخل في أزمة بهذا الحجم يمنح القيادة السياسية والعسكرية فرصة لتعزيز شرعيتها داخلياً، وإظهار قدرتها على التأثير في الملفات الكبرى.

كما أن الدعم الأمريكي لهذا الدور يوفر غطاء سياسياً مهماً، ويعزز موقع باكستان كشريك لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن الإقليمي.

ويعكس نجاح باكستان في التسلل إلى قلب الأزمة الإيرانية مزيجاً من البراغماتية السياسية والفرص الجيوسياسية. لكن هذا النجاح يظل هشاً، مرهوناً بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين أطراف متصارعة، في لحظة قد تتحول فيها الوساطة إلى عبء إذا انزلقت المنطقة نحو مواجهة أوسع.

اقرأ أيضًا: شاركت في حرب العراق وفيتنام.. ماذا تعرف عن وحدة المارينز 31 التي أرسلها ترامب للشرق الأوسط؟

 





الزهراء